تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩١ - بصيرة اخروية
الحديث، «و نطس و نطس» للمبالغ في الشيء، و الباقون بالألف في كل القرآن، الا أن حفص وافق أبا جعفر في المطفّفين: انْقَلَبُوا فَكِهِينَ و قرئ: «فاكهين» و «فكهين» على أنه حال، و الظرف مستقر.
بصيرة اخروية
«الشغل» كثيرا ما يطلق و يراد منه الصنعة و الكسب، و قد تحقق لنا بأرصاد روحانية و أنظار دقيقة كشفية ان النفس الانسانية إذا استكملت ذاتها بالعلم و التقوى، و تجردت عن غشاوة العالم الأدنى و تشبّهت بأخلاق اللّه، و طارت بأجنحة الكروبيّين، و وصلت الى عالمها، و بلغت الى فطرتها الاولى، أصبحت مخترعة للصور الغيبية المستورة عن الحواس، فاعلة للاشكال الحسنة الجنانية الخارجة عن ادراك أهل الظن و القياس، لكونها شديدة الشبه عند الاستكمال و التجرد عن هذا العالم بالمبدإ الفعال في الصفات و الافعال، كالحديدة الحامية المجاورة للنار، الفاعلة فعلها من الانارة و الاشعال و سائر الآثار.
فما ظنك بنفوس كريمة تنورت بنور اللّه و تلبّست بلباس الهيبة و العظمة و النور و تسربلت بسربال الكرامة و السرور، في صيرورتها واهبة الحيوة لما تصورتها صورة اخروية، معطية الوجود و الشروق لما انشأتها نشأة ثانوية، لكونها واقعة في أفق العظمة و الاشراق، مستوطنة في دار كرامة اللّه العزيز الخلاق، و جنة رحمته التي فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين، و لكل أحد من أهل اللّه في الجنة ما تشتهيه، كما قال: لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [٤١/ ٣١] و سيأتي بعد هذه الاية بأدنى فاصلة قوله: وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ اشارة الى هذا المعنى.
فانظر كيف جعل اللّه النفس الانسانية ذات اقتدار على إنشاء الصور المطهرة